محمد الغزالي

231

خلق المسلم

تجب معرفته حق اللّه على الناس . وحق الناس بعضهم على بعض . فإن هداية السلوك إلى الصالح العام كبيرة الأثر في تنظيم الجماعات وتوجيه السياسات لكن من الخطل أن نظن العلم المحمود هو دراسة الفقه والتفسير وما شابه ذلك من الفنون فحسب . وأما ما وراءها فهو نافلة يؤديها من شاء تطوعا أو يتركها وليس عليه من حرج . . . ! ! هذا خطأ كبير . فإن علوم الكون والحياة ، ونتائج البحث المتواصل في ملكوت السماء والأرض لا تقل خطرا عن علوم الدين المحضة . بل قد يرتبط بها من النتائج ما يجعل معرفتها أولى بالتقديم من الاستبحار في علوم الشريعة . وحسبنا أن القرآن الكريم عندما نوّه بفضل العلم وجلال العلماء إنما عنى العلماء الذين يعرفون عظمة الخالق من عظمة الخلق ، وإنما عنى العلم الذي ينشأ من النظر في النبات والحيوان وشؤون الطبيعة الأخرى . قال : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ . إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ « 1 » . وقال : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ « 2 » . إن علوم الحياة مساوية لعلوم الآخرة في خدمة الدين وتجلية حقائقه ، غاية ما هنالك أن علوم الطبيعة تحتاج دراسات أطول . أما العلم بالدين فميسور لمن أخلص له أياما معدودات . وإذا كان التوسع في فروع الشريعة يحتاج مددا فسيحة ، فهذا التوسع وظيفة اجتماعية كسائر الوظائف التي تستكثر منها الدولة أو تستقل وفق المصلحة التي تنجح رسالتها العليا . وليست دراسة الحقوق والقضاء أشرف في ذاتها من دراسات الطب مثلا ، ولو بلغ صاحبها مبلغ أبي حنيفة . وإنما يرجح الرجل صاحبه في علمه بمقدار ما يسخر هذا العلم

--> ( 1 ) فاطر : 27 - 28 . ( 2 ) الروم : 22 .